عبد الملك الجويني
345
نهاية المطلب في دراية المذهب
ثم إذا أفسد الحج ، فالإحرام دائم على الفساد ، وليس كالصوم يفسد ، مع أمرنا بوجوب الإمساك عن المفطرات ؛ فإن الصوم يرتفع بالكلّية ، والأمر [ بالإمساك ] ( 1 ) تشديد وتغليظ . 2711 - ثم من جامع وأفسد ، ثم جامع مرة أخرى ، فهل يلزمه بالجماع الثاني شيء أم لا ؟ فعلى قولين : أحدهما - لا يجب ؛ لأنه وقاع عديم التأثير في الإفساد ؛ إذ لا أثر له فيه ، فلا يتعلق به كفارة . والأصح وجوب الفدية ؛ لأنه في إحرامٍ وإن كان فاسداً . ثم إن قلنا : تجب الكفارة ففي الواجب وجهان : أحدهما - أنها بدنة . والثاني - أنها دم شاة . وهذا الخلاف أقربُ ؛ من جهة أن الوقاع الثاني مباشرةٌ لم تفسد الحج ، فأشبهت المباشرة دون الوقاع . 2712 - ولو وقع الوطء بين التحللين ، فالأصح أن الحج لا يفسد ؛ لأنه لم يصادف إحراماً تاماً . ومن أصحابنا من قال : يفسد الحج لمصادفة الوطء للإحرام . فإن قلنا : لا يفسد الحج ، فواجب الوطء بين التحللين ماذا ؟ فيه وجهان : أحدهما - أن واجبه البدنة . والثاني - أن واجبه دم شاة . وهذا يقرب من الخلاف في واجب الوطء الثاني . فإن قلنا : إنه يفسد الحج ، فواجبه بدنة ؛ فإن الإفساد ووجوب القضاء أشد وأغلظ مما بين الشاة والبدنة ، ويخرج وجهٌ آخر : أنا إذا قلنا : الوطء لا يفسد الحج إنه ( 2 ) لا يتعلق به شيء أصلاً . وهذا بعيد ؛ فإن الوطء يجب ألا يقصر عن مباشرة لا وقاع فيها . وسنذكر الآن أن المباشرة من موجبات الفدية ، ويتجه أن نَنْفصل ( 3 ) عن هذا ،
--> ( 1 ) ساقطة من الأصل . ( 2 ) كذا في النسخ الثلاث : إنه ( بدون فاء ) ، وقد سبق في بعض تعليقاتنا ، أن هذا سائغٌ ، وخرّجوا عليه قوله تعالى : { إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ } [ البقرة : 180 ] . ( 3 ) " ننفصل عن هذا " أي : نخرج عنه ، ونردّه ، ونُجيب عليه ، فالانفصال هنا من مصطلحات المناظرة ، ومعنى العبارة : أن وجه الانفصال والخروج عن هذا الاعتراض القائل : إن الوطء لا يصح أن يقلّ في إيجاب الفدية عن مباشرةٍ لا وقاع فيها ، فالجواب أو الانفصال بأن يقال : المباشرة إنما توجب الفدية إذا صادفت إحراماً تاماً .